خرج مروان من بيته صباحاً قاصداً مكاناً يدفع فيه جزءً من كرامته ثمناً لرغيف خبز ليعود به في المساء ..لقد ارتفع سعر الخبز كثيراً وكل خوفه من أن لا يكفي ما تبقى لديه من كرامة لمواجهة الأيام القادمة !كم كان يتمنى أن تزيد الدولة كرامة المواطنين بنسبة 15% فذلك أفضل لمواجهة هذا الغلاء الفاحش ..كان الطريق إلى ذلك المكان طويل ، وتلك مشكلة أخرى فأولئك الذين يدفعون الكرامة ثمناً للخبز عليهم أيضاً أن يقطعوا مسافات أطول مع أنهم في الغالب لا يمانعون من أن تهدر كرامتهم بجوار مساكنهم !كانوا مجموعة من تلك الأشياء التي يطلق عليها في العرف الحكومي " مواطنين " وقد فكروا أن يوفروا شيئاً مما يقبضونه مقابل كرامتهم أجرة لحافلة تنقلهم إلى حيث يعملون ، مع العلم أن أسعار الوقود قد ارتفعت مؤخراً لكن هذا لم يكن مانعاً للمجازفة والذهاب يومياً .. كان يوماً عادياً كأي يوم آخر ، استقل الحافلة ثم جلس في نفس المكان الذي يجلس فيه يوميا منذ أكثر من خمس سنوات ..لم تكن تشده الأحاديث الصباحية التي تتكرر يوميا ، يستغل وقت الحوارات في النوم ، فالنوم لازال مجانا في هذا الوطن ، ولعله يريد أن يحصل على أكبر كمية منه قبل أن يفرضوا عليه رسوماً هو الآخر ..!لم تكن تغريه الحوارات الصباحية لأنه يعلم أنها تتكرر حتى يأتي غيرها ..سمع أحاديثاً مكررة حد السأم عن الإرهاب ، وعن التفجيرات في سيناء ، عن فلسطين ، عن العراق ، عن سوريا ، عن الأسهم ، ثم عن خروج إيطاليا من كأس العالم وتألق محمد صلاح !ورغم تباين واختلاف المواضيع إلا أن كل ركاب هذه الحافلة خبراء في كل شيء ، فهم ساسة واقتصاديون ومدربوا كرة قدم إن لزم الأمر !كانت الأحداث التي تمت في مسجد الروضة فرصة لطرد النوم من عينيه هذا الصباح فالحديث عنها لاشك سيكون جديداً وخروجاً عن أجواء فرحة الصعود لكأس العالم والخروج الغير مستحق لإيطاليا وهدف صلاح الأخير !لم يشارك في أية حوارات من قبل ولا نية لديه لأن يفعل لكنه يريد أن يسمع كل شيء حتى ينعم بنوم هاديء غداً في مثل هذا الوقت فالأحاديث المكررة خير وسيلة لجلب النوم !بدأ الحديث من آخر الحافلة بسؤال عام : - هل رأيتم ما حدث في المسجد ؟!ويرد آخر - هذا أمر طبيعي ومتوقع من متطرفين يعملون لصالح أيران ، يريدون اعطاء إيران بعض الوقت لتنجز ما يمكن أن تستند عليه في التفاوض مع أمريكا !- أتكلم معك عن ضحايا المسجد وأنت تتكلم عن إيران يبدو أنك لم تنم جيداً ، إذا لم تكن مؤهلاً للحديث عن شيء فالتزم الصمت !- بل نمت بما يكفي لأني أعتقد أن داعش لن " يشك خيط في ابره " دون علم إيران ودون أن يكون لها مصلحة في الأمر !- ولنفترض ، وأياً كان من وراء الأمر فإن ما فعله الإرهاب أمر لا يدعوا للفخر والاعتزاز !- هل من الممكن أن توضح لي مالذي يفعله بالتحديد ؟!- أنه يكشف أن امننا أوهن من بيت العنكبوت !- لم أفهم !- هذا أمر طبيعي فأنت وأمثالك من الانبطاحيين لا تفهمون تلك المعاني !لم يستطع مروان أن يكتم ضحكته عندما سمع كلمة " انبطاحيين " فهي كلمة كوميدية على كل حال وتدل على خفة دم قائلها !والحديث مستمر ويستلم دفته آخر من زاوية أخرى في هذه الحافلة ..- يجب محاسبة المقصرين ؟ وهل اقتصر الأمن على حماية الرئيس ورجاله فقط !- يا أخي ألا تعي أنهم يقاتلون الإرهاب الأن ويقضون مضاجعهم !يرد آخر في يأس وهو يلتهم سندويتش فول بالشطه :- والله يا سيدي ما انقض الا مضاجعنا نحن ، أما الارهابيين " فما عندهم من الدنيا خلاف " ! رحم الله الأحياء وهنيئاً لضحايا المسجد الساجدين ..- ردك هذا يدل على دعمك للإرهاب يبدوا إنك واحداً منهم ...- هذا أتهام خطير ، وان لم تأتي بدليل فسوف تحاسب ..يشتد الخلاف ، ويأتي صوت من أخر الحافله :هدوا اللعب شويه يا شباب ، والعبوا على الهجمات المرتدة ، ثم يضحك بصوت عال ومستفز !يلتفت إليه صاحب عبارة " الانبطاحيين " باحتقار ويكظم غيظه ثم يقول في هدوء مصطنع :- إذا لم يكن لديك شيء مفيد فاسكت رجاءاً !- هل تعلم أن ما قلته لكم هو أكثر الاشياء فائدة في كل ما قيل !- أسكت رجاءاً ، أكرر طلبي للمرة الأخيرة ؟!- وإذا لم أفعل ، مالذي سيحدث ؟! هل ستهاجمني بصواريخ باليستيه ؟؟! ثم يضحك نفس الضحكة الاستفزازية !يهم عدو الانبطاحيين بالقيام للاشتباك مع ممثلهم الشرعي والوحيد في الحافلة هكذا بدت الصورة في عقل مروان وهو يشاهد حرباً تكاد تنشب في جنوب الحافلة !لكن أحد الجالسين يتدخل ويفض الاشتباك قبل أن يقع !هدوء تام يبدده سائق الحافلة بصوت الراديو ليأتي صوت المذيع بموجز سريع للأنباء : ( الطائرات تقصف منابع الإرهاب وتقتل عدداً منهم - قررت الحكومه صرف مبلغ كذا للمتوفيين ومبلغ كذا للمصابين - الجيش الاسرائيلي يستعد لضرب لبنان - الجيش اللبناني يناشد العالم الالتفات للمأساة الانسانية التي يعيشها اللبنانيون والجيش اللبناني يستعد هو الأخر )يقطع احدهم حديث المذياع - هل تستطيع لبنان الأنتصار على إسرائيل اذا تم الصدام ؟ وأي سلاح تمتلكه ؟يرد أحدهم - هل تعلم ما هو أهم سلاح افتقدناه كعرب في كل معاركنا ؟!- ماهو ؟- المتر ، لو أنهم يذهبون لأقرب خياط أو ترزي قبل ذهابهم لأية معركة ويستعيرون منه المتر الذي يستخدمه في القياس لكان أجدى وأنفع من كثير من أسلحتهم !- هل تعتقد أن الوقت مناسب لسخريتك ؟!- ابداً ليس مناسبا ولكن يا أخي بما أن الإنسان العربي أو المسلم رخيص إلى حد التقزز لدى هذه القيادات البطلة ، ولا يدخل في حسابات المعارك التي تخوضها ، فيكفي مثلا أن ندخل حربا مع اسرائيل التي تدعم الإرهاب ليموت عشرة آلاف عربي مسلم مقابل عشرة من اليهود ونعتبر أنفسنا منتصرين بقيادة أبطال السلم والحرب ، فلماذا لا نستخدم المتر ؟! - نستخدمه لنفعل به ماذا ؟- أبداً بكل بساطه نقيس مانمتلكه من أراض قبل أية حرب ندخلها ثم نقيس ما لدينا بعد أن تنتهي الحرب ، لنعرف هل انتصرنا أم أننا لم نفعل !لو أننا فعلنا ذلك لاكتشفنا أننا نسف التراب في سيناء والجولان ولبنان والعراق وسوريا وحتى الصومال ، نحن يا سيدي الفاضل لم نكسب أية حرب منذ اختراع المايكرفون !!تصل الحافلة إلى مقر عملهم ولكن الحديث يستمر ويتوجه آخر المتحدثين إلى مروان بالكلام : - ما رأيك أنت فيما يحدث !ينهض مروان من مكانه وهو يستعد للنزول من الحافلة ويجيب : - أرى أننا تأخرنا عن العمل هذا اليوم وليس في مرتبي ما يكفي ليخصموا منه !- وأنا اعتقد أنك عديم الاحساس ، يا أخي هل من الممكن أن تخبرني ماهو دورك في هذه الحياة .؟!!- أنا مواطن ، واعمل بوظيفة مواطن ، وهذا تقريبا هو تخصصي ومجال عملي ، فكل ما درسته وتعلمته يصب في هذا الاتجاه رغم الاسم الذي أسموه لذلك التخصص ، ولي اسهامات عديدة في هذه الدنيا ، أهمها على الاطلاق أني لا زلت قادرا على الحياة حتى هذه اللحظة ، ألا يكفي هذا ؟!ثم ينزل من الحافلة وقد نسي كل ما سمعه ، وكل تفكيرة في رفع مستوى كرامته ليجد منها ما يكفي لشراء خبز يعود به في المساء !..