اقلب الحكاية وابدأ بقراءة النهاية أولاً ، ستجد البداية تجسيداً لأعلى درجات الخداع !..
يقولون في البداية "كان" وفي الخاتمة " أصبح" .. هنا ستتحرك المعاني لتنقلب " أصبح" الى "كان" ..
من يفهم ؟ ومن يريد أن يفهم ؟ ..
لا أحد ومع هذا الكل يريد أن يكتب حكايتة !..

تبدء قصتنا قبل خمسة أعوام عندما اجتمع الكاتب بصاحبه وقال له : " إستحوذت من العلم الكثير وأود أن اجمعه بكتاب ، فكن شريكي لأكتب أسمك وأسمي على غلاف كتاب " فرح صاحبه جداً ؛ ففي تلك البلاد إما أن يُكتب أسمك في سجلات الموتى الطويلة وإما أن يحشر اسمك في مكتبه ..
اتفقا على أن يجتمعا كل يوم ساعة يسطرون فيها روائع القصص والكلمات ومع الزمن أصبحت ساعتين ثم ثلاث .. حتى تركا العقارب تلدغ نفسها كمداً ، مرت السنين من أمامهم غاضبة .. "عنيد هو من لا يقدم ورقة التقويم قرباناً للزمن" !.
أخيراً ولد الكتاب أربعمائة صفحة وكسور كل صفحة فيها قصة خارج الكتاب ! ..
حتى الخرائط تروي قصصاً من ترحال وغربة وفقر ..
باعوا الكثير من أجل جمع شيء من المعرفة .. وكانت المعضلة أسم الكتاب ..
إني لأتعجب كثيراً عندما تكون الهوامش سبباً لبكاء كاتب والغريب أن القارئ لا ينظر إليها إلا من باب الترف !..
إن رزقت بولد فسميه "صالح" وأترك الأيام تثبت عكس ذلك ، وإن الفت كتاباً فاتركه يسمي نفسه ما يشاء ، وعلى هذا المنوال نُقش اسم الكتاب بالذهب المزور على الغلاف بنفسه ، كان الاسم غريب ولم يعارض على أسمه أحد لعل هناك حكمة ستكتشف فيما بعد ..
مضت ثلاثة أشهر على النشر ولم تُباع نسخة واحده ، أخذت العواطف تمتزج الآن ، غضب ولوم لكل شيء يصاحبها نشوة فشل ، وشعور بالوحدة ؛ تمتم الكاتب صاحب الفكرة وكأنه يحاول أن يقنع نفسه " ألم يخلق الله غير هذه الأرض ؟! بلاد الله واسعة ـ "ذهب مسرعاً إلى صاحبه فعل المستحيل ليقنعه" .. بعد الموافقة قررا أن ينشرا الكتاب في البلاد المجاورة ، وكم كانت فرحة المطبعة بالخبر !..
قررا الذهاب سوياً ، وعلى الحدود فتش العسكري الرجلين .. لا شيء يسترعي الانتباه إلا كتاب غُلف بشكل مُزري ..
سألهم الجندي ببلادة " ماذا يوجد بالكتاب ؟" فأجابه ألكاتب سخطاً : "حبر وورق وكم لا بأس به من المعلومات !" .. شعر الجندي "بالغريزة" أنهما يسخران منه وعلى الفور أخذ الكتاب للضابط ليطلع عليه ، وبعد يوم كامل خرج الضابط متأبطاً الكتاب ورمى به بقوة وأخذ يسب ويشتم ..
كان الموقف عجيب الضابط يصرخ وألعسكري يرتعد والكاتب يكاد أن يموت من شدة الضحك !
صفع الضابط الكاتب وقال " ما يضحكك يا (....) !" أجابه الكاتب :" خمس سنوات وأنا معتكف على الورق تخشبت أصابعي من قبضة القلم نعم خمس سنوات وأنا أتنفس رائحة الورق وأتذوق طعم الحبر وأخيراً لا يقرأه إلا ضابط وعسكري في نقطة تفتيش !! أتعلم بأننا مشتركون في شيء واحد ، (كلنا قد قرأ الكتاب) !" ..
قام الضابط ببعض الحركات التشنجية فأتى الجنود على الفور وما هي إلا لحظات حتى وضعوا الكاتب وصديقة بأحد السجون مكتوب على بوابتة وبخطٍ واضح (عدوكم هو النسيان) ..
مرت سنين لا يعرف أحد عددها ـ حدث في احداها تجديد لفترة رئاسية جديدة للحاكم ، فأمر الحاكم أن تُقدم القرابين للعرش ؛ فتش الجنود بالسجون وقبضوا على الوجوه المطلوبة كان من بينهم الكاتب وصاحبه وسجين أخر .. انتظروا في الطابور طويلاً قبل العرض على الحاكم .. وفي طابور الإنتظار سأل السجين المرافق الكاتب ،
السجين : " ما هي تهمتك ؟"
الكاتب :" تأليف كتاب !" ،
دهش السجين وسأله :" بالله أخبرني قبل أن أموت كمداً ما هو أسم الكتاب ؟" ،
أجابه الكاتب :" دروس مهمه في غباء الأمه ، وأرجوك لا تسألني عن سبب التسمية ، فقد سمى الكتاب نفسه !" ،
ضحك السجين بقوة وقال " لن يتعذب الحاكم وحده في الجحيم سيتعذب معه الكتاب ! سيعذب الحاكم الكتاب معه !" وسكت السجين عن الضحك لأن صرخة ألكاتب وقتها كانت صرخة خلاص وفراق !..