• الربيع في محافظة ظفار.. طبيعة متجددة وجو صحو على بحر العرب

      الربيع في محافظة ظفار.. طبيعة متجددة وجو صحو على بحر العرب



      إعداد بخيت بن كيرداس الشحري -
      انقضى الخريف وانتهى موسمه في محافظة ظفار وبدأنا في فصل يكاد يكون أكثر منه جمالاً وروعة وهو فصل الربيع أو ما يعرف بـ (الصرب) محلياً هنا في محافظة ظفار.. ولموسم الربيع في ظفار طقوس وعناوين براقة حيث تنجلي فيه الغيوم ويتبدد فيه الضباب الذي كان يلازم جبال ظفار طيلة موسم الخريف، وفي الربيع تصفو مياه بحر العرب وتهدأ هدير أمواجه وتبدأ رمال شطآنه باستعادة بريقها الذي سلبه الخريف فتبدو رماله فضيةً ناعمة وكأن أشعة الشمس تجففه من الرطوبة التي كانت عالقة به طيلة موسم الخريف، لموسم الربيع سحر لا يدركه إلا من عايش كل الفصول في محافظة ظفار وحتماً سيشعر بجمال هذا الموسم، حيث تأثير هذا الموسم يبدأ من خلجات النفس تأثيراً روحياً قبل أن نشعر بالتغيّر الحسي الذي نحس به ينعكس على الطبيعة من حولنا. ولو بدأنا بالحديث عن موسم الربيع في ظفار وقيمته لدى أبناء المحافظة فلا بد أن نبدأ بالأسبوع الأخير الذي يسبق دخول موسم الربيع مباشرةً حيث تبدأ خلال ذلك الأسبوع الوداعي لموسم الخريف الشمس بالظهور بين الحين والآخر طوال اليوم لأن الغيوم التي كانت تحجبها لم تعد بتلك الكثافة وكما أن الرذاذ الماطر يتذبذب وقد ينقطع نهائياً وتنجلي عن الجبال سترها “الضباب” الذي كان يلفها وتبدو شامخة خضراء كأنها مكسوة بلباس أخضر من أسفل الجبال إلى شماريخها وتبدو زاهية لتراها العين دون أن تمل من النظر إليها والزهور تتفتح بمختلف ألوانها والفراشات تتنقل من زهرة إلى أخرى بألوانها الزاهية.
      ومن المفارقات الجميلة هنا في محافظة ظفار أن في الأيام الأخيرة لموسم الخريف تهب على السهل والجبل نسمات عليلة تتسلل إلى الوجدان ويخالج الإنسان شعور بالراحة وتنشرح فيه الأسارير وهذه النسمات العليلة يطلقون عليها أهل الريف باللغة الشحرية ” إنعيّيت أخرف ” وهذا المسمى يعني في اللغة العربية ” نعي الخريف ” والمتعارف عليه عند أهل الريف أن هذا النسيم يأتي نهاية كل خريف وهم يطلقون عليه هذه التسمية بمعنى أن هذا النسيم العليل والذي يأتي عادة من جهة الشرق يودع الخريف الذي يوشك على الرحيل.
      ولموسم الربيع استقبال جميل عند أهل ظفار قديماً ويفرحون بقدومه كثيراً بل ويعد أفضل المواسم على الإطلاق بالنسبة لهم حيث يستقبلونه في الريف بالأهازيج التقليدية كالهبوت وفن المشعير، ولديهم مثل قديم متعارف عليه يعكس قيمة فصل الربيع لديهم وهو ” إصرب بش آفلوك إيدفر يسينود إنوف” ويعني هذا المثل أو المقولة أن ” الصرب” أي موسم الربيع فيه الخير الكثير حتى العالة على المجتمع يسد احتياجاته بنفسه، وهذا دليل على ابتهاج المجتمع المحلي في ظفار بموسم الربيع حيث يفتح بحر العرب ذراعيه لمرتاديه ويفيض عليهم من كرمه وخيراته بعد أن منعتهم أمواجه الهادرة عن ركوب البحر طيلة موسم الخريف، وعادةّ ما يكون بحر العرب في موسم الربيع ذلك البحر الهادئ الجميل ذو الزرقة الصافية ويفرح مرتادو البحر كثيراً بهذه الأجواء والذي يبدأ فيه موسم ” الضواغي ” وهي عملية صيد أسماك السردين بالطرق التقليدية حيث يستخدم أغلبه كعلف للمواشي بعد تجفيفه، والضواغي هي جمع لمفردة ضاغية وهي عبارة عن مجموعة من المواطنين تتراوح أعدادهم من 30- 50 شخصاً يعملون بشكل جماعي في اصطياد أسماك السردين بالطرق التقليدية ومن ثم يقومون ببيعه وتقاسم قيمته بحسب النظام المعمول به فيما بينهم، ومع بداية موسم الربيع من كل عام يجتمع مسؤولو الضواغي ويحددون اليوم الذي سوف يبدأ فيه النزول للبحر ويسمى ذلك اليوم بـ”الفتوح” أي يوم افتتاح موسم عمل الضواغي.
      وكما أن في موسم الربيع يتم حصاد بعض المحاصيل الزراعية التي تم زراعتها في موسم الخريف كالخيار والذرة والفاصوليا والذي يعرف محلياً ” الدّجر” ، وفي موسم الربيع يتم إنتاج أجود أنواع السمن البلدي الذي لا تستطيع الحصول عليه بتلك السهولة بسبب كثرة الإقبال عليه كون أن الأبقار المنتجة للسمن تكون قد بدأت بالرعي الطبيعي منذ موسم الخريف معتمدة في غذائها على مختلف أنواع الأعشاب الطبيعية حيث تنمو وتزدهر المراعي الطبيعية في موسم الخريف وتمتد إلى موسم الربيع.
      ولأصحاب الإبل في موسم الربيع مزاج خاص يختلف عن باقي مكونات المجتمع المحلي في ظفار حيث تبدأ الإبل في رحلتها الموسمية الاعتيادية وما تعرف محلياً بـ ” خطيل النوق ” وقد أتت كلمة خطل بأكثر من معنى في المعجم الوسيط حيث أتت بمعنى الخفة والاسترخاء والتلوَي والتبختر في المشية ولعل هذه المعاني قريبة جداً من مصطلح ” خطيل النوق” حيث إن عادة الإبل في ظفار تنحصر طيلة موسم الخريف إما في السهل أو في القطن وهي المنطقة المنبسطة ما بعد الجبل لأنها لا تستطيع التكيف والمكوث في الجبل أثناء موسم الخريف بعكس الأبقار التي تتكيف بشكل طبيعي جداً في الجبل مع موسم الخريف ونتيجة لانحصار مكوث الإبل في السهل أو القطن طوال موسم الخريف فهي تكون تواقة لإنجلاء موسم الخريف ليتسنى لها التمخطر في الجبال والأودية ومن هنا أتت هذه التسمية حيث تسرح الإبل في موسم الربيع على شكل قطعان كل قطيع يتراوح ما بين 500 – 2000 رأس من الإبل في عدد من الأودية الشهيرة باحتواء هذه القطعان في كل موسم مثل وادي قوصد وجنين ووادي خشيم ووادي نحيز ووادي دربات وثيدوت وريثوت ووادي غيضت بالإضافة للعديد من المناطق الجبلية الأخرى في ظفار .. وخلال رحلة خطل الإبل في الجبال والأودية الخضراء يتم مرافقتها حيث ما حلت مجموعة من الرعيان وهم ملاك هذه القطعان لمدة شهر أو شهرين تنتقل فيها هذه القطعان من مكان إلى آخر ويسود فيه جو المتعة والترحال أشبه بالرحلات السياحية الخلوية في الطبيعة الخضراء حيث يهربون من صخب الحياة اليومية الاعتيادية إلى نوع آخر من الحياة بين أحضان الطبيعة ويتخلصون في تلك الفترة من كل ما هو مرتبط بالحداثة والمدنية والكثير من ملاك هذه الإبل يحرصون على قضاء إجازاتهم الأسبوعية وتأجيل إجازاتهم السنوية لهذا الموسم. وكما تنتشر قطعان الأغنام بكثرة في الجبال في موسم الربيع وخاصة في المنطقة الشرقية المتاخمة لجبل سمحان وتتميز الأغنام والأبقار والإبل في موسم الربيع بوفرة إدرار الحليب لما تنعم به هذه الأنعام من مراع طبيعية غنية ويقبل الكثير من المواطنين في ظفار في فترة الريبع بالذات على شرب الحليب الطازج بكثرة لما يحتويه من مواد غنية ومفيدة للجسم بسبب المراعي الطبيعية طيلة الموسم.

      جريده عمان22\9\1013
      رابط الموضوع الاصلي :
      http://www.al-shahri.net/vb/showthread.php?t=11007

      تعليقات 1 تعليق
      1. الصورة الرمزية الامر الشحري
        شكراً بويعرب
        ع النقل المفيد والجميل


        مقال شامل ووافي ومعلومات رائعة
        للكاتب والصحفي
        بخيت كيرداس الشحري
        مودتي لكم