• قصّــــــة شعبنا والثورة ..

      قصّــــــة شعبنا والثورة .. للكاتبه / قلــــم عربـــــــــــي




      وإلى الآن أتعجب كيف أن والداي يستأمنان عليّ بأن أرعى الغنم وحدي مع أخي الصغير الذي بالكاد أكمل الخامسة من عمره ..
      مازلت أذكر جسمه النحيل العاري وهو يتبعني حاملا عصى صغيره ونحن نعبر وديان عميقة نبحث عن المرعى ..

      كان والدي قبل أن أمضي بالقطيع يأمُرُني بأن أتجنب القصف ..

      وألا أحاول أن أتحدى الطائرات ، و يحذرني من خطورة الرعي في السهول المكشوفة .
      أستطيع تذكّر أمي وهي تودعني لآخر لحظه .

      أُراقــــبُ يدها وهي تختفي تدريجياً خلف التلال تلوح لي مودعة إياي أنا وأخي الصغير .
      كنت في السابعة من عمري..

      أسماني والدي على أمه وكنت المفضلة لديه، والأقرب لقلبه ، وهذا أكثر ما كان يشد من أزري ويدفعني لأكون حريصة ومنتبهة لكل تصرفاتي...

      وما أن أعود من رعي الغنم قبل حلول الظلام حتى أجد والدي أسفل الوادي ينتظرني بالحليب ، مع الإبل التي يسوقها ..
      كان يقبل رأسي ويرحب بي باسمي الذي يحبه كثيراً والذي خصني به دون أخواتي .
      لم نكن نعرف لما تلك الحرب والقتال والتنظيمات ، لكنّا أيقنا من خلال ما نسمعه من الكبار أن النصر سيأتي حتى لو بعد أمد بعيد ، وأن الرجال والنساء اتحدوا على أن يقدموا الروح والجسد في سبيل تحرير البلاد من الفساد والظلم ..


      و في يوم ....عدتُ بالأغنام وكان قصفاً مدوياً على المنطقة كلها بشكل خطير ...
      وجدتني أُسرع بالغنم نحو المأوى وأحثُ أخي للإسراع بجانبي .. ولكنه ناداني باكياً : لقد تعبت .
      قمت بحمله على ظهري ..وأمسكت العصى بيدي وأنا أتوجه بالقطيع حيث نقطة تلاقينا أنا وأبي كل يوم .
      لكني عندما وصلت وجدتُ المكان وقد بدى عليه آثار القصف ..

      دماء النوق وأشلائها في كل الأرجاء ..

      شعرتُ بالدماء تتدفق بحرارة حتى أعلى رأسي .. لا يعقل أن يكون أبي أصابه مكروه .


      لم أعر جثث الإبل اهتمامي.. كانت بعضُها ما تزال تصارع الموت بحركات مستميتة وأنا أتخطاها بخوف باحثة عن أبي بينها .

      خِفتُ أن أجده مُصاباً ...
      وما كان الظلام ليرحم توسلاتي ويُمهِلُني قليلاً..

      اذ أظلم الكون ... وعمت رائحة الموت والبارود و خنقت الأرجاء حولي .

      لم أعد أدري أين أتوجه ..لابد أن أمراً ما حل بأهلي ..


      مسحت دموع أخي ..

      حمِلتُه مجددا على ظهري وتذكرت وأنا ابنة السابعة أن أبي كان قد أسماني على أمه التي يحبها ويتأمل مني أن أكون وقت الشدة على قدر هذا الاسم .

      كانت دموعي تخونني وأنا أتظاهر بالشجاعة حاملة أخي ماضيةً بالقطيع نحو بيتنا الذي يوجد في نهاية الوادي ..كنتُ أدعو الله أن يكون والدي بخير وحسب .


      حاولت أن أتحسس الطريق رغم الظلام الدامس و وصلتُ بعد جهد مضني وشاق وأنا ألهث .. لم يكن الجوع والإرهاق يمتلكُني بقدر القلق الذي أرهق كل حواسي ..كنتُ بحاجة أن أطمئنُ على أبي وكل عائلتي .


      وصلتُ للمكان .... رباهما أقسى البشر .. وجدت عروشنا التي صنعناها من العصي وأوراق الأشجار كلها حطام وحرائق ودُخان نيران .


      عندها لم أحتمل ..

      وضعت أخي ، وجعلت أنادي أمي وأخوتي من خلف الرماد والحرائق المشتعلة .
      ولا من مجيب ..


      سمعت قصف مدوي خلفي وعرفت أن الطائرات ماتزال تستهدف المكان ..

      كان أخي الصغير يصيح بقوه خائفا لكن صوته لم يكن ليُسمع مع صوت القصف القوي الذي كان يُسدد على بقايا حُطام بيتنا .
      حملتُ أخي وركضت نحو غار صغير ، أذكر أن أبي كان يُخبرنا عنه لنختبئ به عند القصف .



      كان الغار مُظلماً ساكناً كأنه في حِداد لانهاية له .

      جلستُ وأنا أرتعد وأحتضن أخي الصغير وأضمه كي أُهدئ من روعه،

      ثُم راقبتُ باكيةً بيتنا الخشبي الهزيل الذي يُقصف .

      ما عدتُ أحتمل أن أكون أنا الكبيرة فقد تملكني الجزع والخوف والحُزن وأطلقت العنان لدموعي... بكيتُ بحُرقة ..

      كانت الطائرة تضرب المكان بقسوة وكأنها تخرج ما بها من غل وحقد هناك ، وكأنها تستعرض قوة قنابلها على تلك الأخشاب والأوراق التي تتناثر وتحترق بلا مقاومه تُذكر .


      لن أنسى ذلك المشهــدّ ما حييت...

      لم تكن الطائرة التي تضرب المكان وتحطمه تعرف بأنني أُراقبها وهي تحطم ذكرياتي ومأوى أمي وأبي وأخوتي ..

      ذلك المأوى الصغير الذي كان يقينا وهج الشمس والأمطار ويحكي أيامنا الجميلة رغم كل الشدائد .....

      ما أقســـى البشـــــرّ......


      لا أعلم هل نمت أم شعرت بإغماء، لكني قمت على صوت أحدهم يهزُ كتفي بهدوء حتى أستيقظ وعندما فتحتُ عيني رأيت والدي يبتسم بحنان ولأني أردت أن أُأكد لنفسي أنه ليس خيالاً جعلتُ أحضنه بقوة ألتمس الأمان الذي فقدته طيلة ليلة البارحه ..

      احتضنني أبي بدفء وهو يهدئ من روعي وقال بفخر أنه لم يندم لأنه أسماني على أمه . إذ كان موقفي وأنا أختبئ بأخي في الغار مدعاة للفخر ودليلا على القيادة الحكيمة .

      عرفتُ فيما بعد أن أهلي وكل أهالي المنطقة المجاورة تعرضوا لقصف قوي وأنهم جميعا رحلوا لأقصى الوادي و اختبئوا في أحد الكهوف الكبيرة .
      جمعنا أنا وأبي القطيع المتبقي ومضينا نحوهم وأخي خلفنا يحمل عصاه الصغيرة .

      ولكن ما إن وصلنا حتى رأيت منظرا لم يكن ليُنسى أبداً ... أدركت قوة الموقف ورهبته عندما فز أبي وأنتفض لمرآه......

      كانوا وحوشوا .. وليسوا بشراً ..
      كيف للإنسانية أن تتقلّص هكذا وتتلاشى من الضمير ؟؟
      وكيف يتجرّدُ الإنسان من فطرته ويصبح وحشاً ؟؟
      كيف تنقسم الأفكار بفعل الفتن وتتشكل منظمات ومجموعات في موطني على هذا النحو المُرعــــب ؟؟
      ربـــااااه كم أشعر بالألم منذ اندلاع الثورة .. وكم يكبر معي
      رأيتهم وهم يسوقون رجال المنطقة
      كان والدي معهم .... عيناه توّدعنا ...
      عيناه تقول لا تجزعي يا ابنتي فإني عائد ...
      عائد ..

      سأبني لكم بيتاً بدل الذي تهدّم ... سنعود لبيتنا بأمان .. أعدك بذلك ..

      أُقسم أنني قرأتُ ذلك في نظرته لي .. فبقيت بلا حراك ..
      فقط أراقبهم يبتعدون وأكتم دموعي مجدداً ..
      تبعنهم النساء والأطفال يتوسلن الجنود ليتركوا الرجال ، ولكن لا حياة لمن تُنادي ..
      لا أعلم لما لم أستطيع الاقتراب .. كنت أراقب هذا المشهد وكأني قد رأيته في أحد أحلامي ... كأنه كابوس من كوابيس الحرب في مخيلتي ...

      استرجعتُ ذاكرتي في تلك الأثناء وتذكرتُ أنني كنتُ قبل عدة ليالي قد سمعتُ أبي يقولُ لأمي وهي تبكي : لا تبكي أرجوكِ .. هل ستبكين فراقي أمام أولادك ؟؟..
      كُفي عن البُكاء واسمعي أرجوكِ ..أشعرُ أن فراقي لكم قد آن .. فلقد سمعت أن بعضهم يبحثُ عني وقريبا سيقبضون علي وعلى بعض رجال المنطقه ..
      يشهد الله أنني بريء من الطرق الملتوية والفساد .. ولكن الفتن لن تتركنا بسلام ، والحرب كالسيل تجرف في طريقها كل ما هو أمامها بلا تفرقة .. ولابد أنهم سيأتون قريباً إليّ ...
      كانت أمي تتوسله ليهرب ..
      فأجابها بحزم : ((لكني لن أهرب .. لستُ خائفاً ..سأُدافع عن مبدأي حتى آخر رمق سأواجههم .. وسأعود من أجلكم .. ومن أجل بلدي وأولادي.

      كانت أمي تبكي كأنها لم تبكي من قبل .. وأبي صامتٌ يُحدّق في اللاشئ ..
      وأنا تحت الغطاء أستمع بقلق ..
      الآن فقط عرفت تفسير حديثه هذا ..
      تذكرتُ كل هذا وأنا أره الآن يُساق مع مجموعة من رجال المنطقه حتى اختفوا عن الأنظار ..
      في المساء عادت أمي للدار بعد أن يئست ،،
      لمحت محجريها اللذان يحكيان قصة حزينة ومؤلمة حــدّ الألم ..
      مرت الأيام وتلتها الشهور ..

      طال الانتظار يا أبي ...

      سنواتٌ ونحن نضع صخرتين عريضتين تحت ضرع الإبل ليستطيع أخي الصغير الوقوف عليها وحلب الناقة إذ لا يجوز للنساء ذلك ..
      كانت أصابعه الصغيرة تفتر .. وعضلاته تعضد .. ولكنه هو رجل البيت الآن ... ولا مجال ليعيش طفولته في زمن القصف و الكلشنكوف ..

      طال الإنتظار ونحن نرحل كلما قصف بيتنا .. لنبني عشاً آخر..
      طال الإنتظار وأمي كل يوم تُخاطر بحياتها لتجلب لنا الماء ..
      كلما غابت الشمس أتخيلك في الطريق إلينا ..
      وكلما ابتعدتُ بالقطيع آملُ أن أسمع صوتك وأنت ترعى الإبل وتناديني لتُشربني من حليبها .
      كلما عدتُ في المساء بالقطيع أدعو الله أن أجدك ف استقبالي كعادتك..
      لقد رأيتُ الوعد في عينيك .. ويجب أن تعود ..
      أرجوك لا تجعل انتظاري يطول ...
      >>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

      **قصة شعبنا والثورة يرويها العراك الضاري
      قصتنا شعب تثير كل شعب فقير
      وأصحاب الضمير
      والمبدأ جملة كم بها أطواري**

      هذا نشيد الثوار الذي يردده الجميع آنذاك ..
      أطفالاً ونساءً ورجالاً.
      لحنه حماسيّ يدعوك للفخر والعزم ..
      ..................................

      في أحد اليالي وأنا أغطُ في نومٍ عميق ... تقلبتُ فسمعتُ أحدهم يهمس باسمي ..
      فتحت عيني بثقل ... والأملُ يضُجُ بقلبي عله يكون والدي ..
      لكني لم أرى أحد ..
      تخيلته عندما جاءني في الغار مع أخي و أيقضني ..
      كان الوقت متأخراً ، ولا أُر لأحـــد ..

      قمتُ ومررتُ على أمي وسعيد أخي ..
      كانوا نائمان .. ولا أثر لأحد ..
      أيعقل أنني بت أعيشُ مع طيف عودته ؟

      لم أستطيع العودة للنوم .. فقط كنتُ أُحدّق في الفراغ بصمت .

      لكن الصوت عاد ليناديني ..
      لابد أن أحدهم يحتاجُني ..
      خرجتُ للباحة الخارجية ...
      رأيت حركة بين الأشجار أمامي ..

      جعلت أراقب هناك لأعرف مصدر الحركة .

      لا أعلم لما لم ينتابني خوف ...

      تقدمت ..
      واقتربت من مصدر الحركة ..
      رأيت أحدهم يلتوي من الألم وعرفته على الفور .. كان ذلك خالي ..
      حاولت أن أتجلّد وأنا أرى جراحه النازفه في كتفه ورجله المُصابة ، على عجل شققتُ الرداء (اللوسي) الذي كان يغطي رأسي وجعلت ألف جراحه حتى يتوقف الدم ،
      أثناء ذلك ربت هو على رأسي بحنان .. أحسنتي يا فتاة ..
      أنا بخير لا تخشي علي .. إنهُ مُجرد جرح بسيط وليس بالعميق ... ولكني أشعرُ بالدوار من جراء الدم الذي نزفته طوال الطريق ... خاصة أنني لم أنم شيئاً منذ البارحة ...
      وفوق هذا كله لا أُريد أن أخذل أصحابي .
      صمت فجأة ...
      ونظر إلي بتصميم ...

      ثم نطق بحزم : أسمعي يا فتاة .. ستُكملين المهمة بدلاً عني فأنا مصابٌ الليلة ، حركتي ستكون بطيئة مع اصابة رجلي ..و لقد أنجزتُ كل شئ ولم يبقى إلا الجزء السهل من المهمة .. هل تستطيعين ؟

      كنتُ أودُ أن أقبل جبينه لأنه وثق بي وطلب مني هذا الطلب ولكني اكتفيتُ بأن هززت رأسي له بثقة : ماذا تريدني أن أفعل ؟

      على الفور تحسس احد جيوبه ، ثُم أخرج منه مقبضا حاداً : اسمعي خذي هذا واسلكي طريق الوادي الذي ترعين فيه القطيع كل يوم ، أنتي تعرفين المكان جيداً ..
      ستجدين من ينتظرك هناك الآن ، سلّــميهم هذه الآلة الحاده وأخبريهم أن يُكملوا توجههم ، وسوف سألتحق بهم لاحقاً .. هل تستطيعين ذلك ؟

      لم أدع له فرصة تكملة جملته فقط أخذت بيده أساعده لدخول الكوخ الذي تنام فيه أمي مع سعيد أخي ..
      قبل أن أُغادر أمسك خالي أطراف أصابعي ونظر إلي بامتنان : بوركتِ يافتاة .
      مضيت قبل أن تفيق والدتي وتقلق بشأني أو تمنعني ...
      ...........................

      لم تكن تلك الأيام لتفرّق بين صغير أو كبير ..
      كان الجميع يعاني ويُقاوم ..
      الجميع مجبر أن يتعرض لمواقف جسيمة ومهام عنيفة في أي وقت ..
      حتى النساء انخرطن مع الجنود وأصبحن بمنظر شرس قوي ،
      لكن الأخلاق كانت صفة لا تتخلى عنها الرفيقة المناضلة ..
      كان كلُ الثوار كالإخوة .. يستأمن الأب والأخ على بناته في الانخراط مع أفراد المُقاومة كرفيقات .. لأن القوانين التي تمضي الجبهة على أثرها هي احترام وأخوّة ، وسلام ، وأمانه ، وصدق لأبعد الحدود ..
      هي تضحية .. فكيف للنفس المُضحية أن تأتي الانحراف ؟؟

      سلكتُ الطريق الذي بتُ أحفظه وأعرفه حتى في الظلام الدامس .. وأسرعتُ الخطى ..
      رأيتُ خلف التل الكبير حريقاً قوياً في نهاية الوادي .. لابد أنهم أحرقوا كُل الأشجار هناك .. تباً لهم ..
      فجأة لمحتُ طائرة فوقي ،
      كانت كشافاتها القوية تبحث بدقة بين الأشجار .
      اختبأت خلف الصخرة العريضة التي كنت دائماً أشرب منها الماء في موسم الأمطار لأنها تحتفظ به على سطحها المجوف ..
      حاولت الاختباء تماماً ، وتحسست بيدي الآلة التي علي توصيلها

      وبعد قليل تخطت الطائرة موقعي فأكملت طريقي بشئ من القلق والحذر ..
      وصلتُ أخيراً للنقطة التي وصفها لي خالي ..
      لم أجد أحد ..
      وقفتُ .. جلتُ ببصري يميناً شمالاً ..
      ثم ناديت بهمس : ألا يوجد أحد هنا ؟

      لم يجبني أحد ..

      انتظرتُ قليلاً ..

      لا وجود لأحدهم هُنا .. يبدو أنهم غيروا المُخطط ..

      هممتُ بالعودة .. ثم ترددت ..

      لابد أن أمراً حل هُنا ، وعليّ الانتظار قليلاً خلف أحد الأشجار ..

      فجأة شعرت بأحدهم خلفي ،،

      التفتُ بسرعة إليه .

      كان رجُلاً مُسلحاً ، ولكني لم أُحددّ ملامحه في الظلام .. ولكن سلاحه ولباسه يعني أنه مع خالي .

      خاطبني بحزم : ماذا تفعلين هنا يا فتاة ؟

      لابُد أنه القائد ..
      أدركتُ قلقه من قدومي بدلا من خالي فمددت المقبض في يدي قائلة : إليك هذه ... خالي مُصابٌ الليلة وأنا من جئت لإعطائكم هذه الآلة ، هو يقولُ لكم أنه قد أنجز كل المهمة وسيلحق بكم فور شفاؤه .

      نظر إلي بقلق ، ثم سألني : وهل إصابته عميقة ؟

      لا هي شظايا بسيطة في كتفه ورجله .. ولابد أنه الآن في أيدي أمينه ، فأمي لن تتركه حتى يتحسّن ..
      صعدت ألسنةُ اللهـــب من نهاية الوادي فبانت لي ملامحه القاسية ..
      كان شاباً صغيراً .. ربما يكبرني بسبع أو ثمان سنين فقط ... تعجبتُ كيف لأحد في سنه أن يقود عملية خطرة مثل هذه ..
      أخذ القطعة المعدنية الحادة من يدي وهم بالانصراف ، لكنهُ عاد ونظر إلي متفحصاً : أخبريني ألم تُلاحقُك طائرة الدورية في طريقكِ إلى هُنا؟

      عندها أحسست بشئ من الفخر والزهو بنفسي وأنا أجيبه بثقةٍ : لا تخشى علي فالصخور والأشجار هنا كُلُها صديقتي ..

      ابتسم بطرف شفاه مجاملاً إياي .. ابتسامته المُقتضبة كانت جميلة للغاية ..
      كان فتىً يُصارع الظلم و الظلام ، كمن يحمل روحه بيده ويمضي .. ولم تكن الجملة التي تفوهتُ بها لتوي لتجعله يضحك أو ترسم ابتسامة سعيدة على محياه .

      أدركتُ كل ذلك من رؤيته .

      عاد لينظر إلي مجدداً : اسمعي .. كيف ستعودين وحدك الآن و الطائرات تُحلّق حول منطقتكم؟
      اتبعيني الآن لتعودي بعد انتهاء دورية التفتيش .

      وبلا تردد تبعته .

      كان يمشي بحذر بين الأشجار ويحاول ألا يهز الأغصان خلفه .
      حذوتُ حذوه ..

      وصلنا لأسفل الوادي .. وهُناك كان العديد من الرجال واثنتان من الرفيقات الذين استغربوا مجيئي .. لكنه تكفّل بشرح الموقف لهم .
      ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
      تقدمت المجموعه كلها وأنا معهم نحو أحد الشباك ، محاولة منهم قطعه بالمقبض الحاد الذي جلبته .. ليعبروا المنطقة التي خلف الشبك ..

      لكن الجميع تفاجأ فور وصولهم بوجود حارسين يتناوبان جيئة وذهابا بجانب الشبك مما صعّب عليهم مهمة قص الأسلاك الحادة ..

      كان الجميع يُراقب حركة الحارسين بصمت ...
      نظرتُ للقائد الذي كان مايزال يُمسك المقبض بيأس وحيرة وكأنه يُفكرّ في حيلة ما ..

      ولكني فكرتُ قبله وأخبرته أنني سأتقدم وسأُراقب الشبك وكلما رأيت أحد الحراس يبتعد سأُشير لهم ليقتربوا ويقطعوا الأسلاك ، قبل اقتراب الحارس الآخر .. وعندما أرى الحارس الثاني يقترب فأُشير لهم مجددا لكي يبتعدوا أو ينبطحوا ،،، وهكذا حتى ننهي المهمة ..

      نظر إليّ القائد وهو يقول لمجموعته بفخر : يارفاق أجد نفسي أمام إبنة أبيها عاجزاً . فوالله خطتها هي الحل الوحيد الذي سنُخاطر ونّنفذه قبل سطوع شمس الصباح فلا وقت للتردد .. دعونا نستغل هذا الضباب قبل أن ينقشع ..
      عاد ونظر إلي متسائلا : ولكن أخبريني يا فتاة ما هي الإشارة التي سننتظرها منك ؟

      نظرتُ حولي بقلق مخطوفة الأنفس ... تمنيتُ لو أن لدي كشافاً صغيراً ... ثم ااهتديتُ لفكرة أفضل حين تحسستُ الأرض تحت قدميّ فأمسكتُ حجارة صغيره قائلة له : هذه هي الإشارة .. سأرميها صوبكم كلما أردتُ منكم الاقتراب ، وسأرميها مجدداً لتبتعدوا عند رؤيتي أحد الحراس يقترب ..
      نظروا إلي جميعاً .. وكأن نجاتهم تلوح بيد رب العلمين وبيدي ..
      راقبتُ نظراتهم ..
      وهمستُ لهم بحزم ثِقوا بي .. لقد أسماني والدي على أمه .. ولن أخذله يوماً ..
      أبي مُجاهدٌ مثلكم .. وسيعودُ يوماً إلينا ..
      احتضنتني إحدى الرفيقات بعينين دامعة ، قائلة أنتي طفلة رائعة وأباكِ حتما يفخر بكِ أينما كان الآن .

      استعدوا للمهمة بينما أشار علي القائد أن أصعد سطح التلة ليتسنى لي رؤية حركة الحُراس بوضوح ، ومن هُناك أُخطرهم ..
      جمعتُ بعض الحصى ، وسمعتُ القائد يهمس لي ( إلى اللقاء أيتها الشجاعة .. أشكرك . )
      وقبل أن أرد عليه اختفى في الضباب الذي كان كثيفاً ..
      صعدتُ التلة وأصبحت رؤية حركة الحراس سهلة بالنسبة لي .. و عند رؤيتهما يبتعدا رميتُ بأولى الحصى نحو المجموعة لينفّذوا تقطيع الأسلاك ..
      استمر الأمر هكذا بين تقطيع للأسلاك وتوقّفٍ .. حسب حركة الحراس التي كنت أراقبها وأساعدهم على التوافق معها ..
      حتى انتهت المهمة ، وشق الرجال فتحة تكفيهم ليخرجوا منها فردا فردا ..
      ولكن الشمس كانت تحاول البزوغ وهذا ما كان الرجال يحاولون تفاديه ..
      لوّح لي القائد بيده وهو يخرج متأخراً بعد أن اكتمل العدد .. ودعته ... رمى لي المقبض ..
      خرجوا جميعا ليدخلوا في الضباب قبل أن يشعر بهما الحارسان ..
      بحثتُ عن المقبض الحاد الذي رماه القائد لي .. وجدته .. كان مايزال حاراً من أيديهم الباسلة .
      وضعته في جيبي .
      حاولت صعود الجبل المطل على الوادي لرؤيتهم ..

      أشرقت الشمس رويداً رويداً .. ولكن الضباب كان ساتراً لهم ..
      كنتُ أراقبهم من أعلى قمة في الجبل ..

      وبعد قليل أضعتهم ولم أعد أراهم .. بفعل الضباب الذي خدمهم بكثافته وأخفاهم .

      كان أمامهم برجاً للمراقبة عليه رشاش كبير وحارس عتيد . ولكن هيهات لحارس البرج رؤيتهم من خلال الضباب الكثيف ..

      أستطيع تخيّلهم وهم يسابقون قبل وضوح النهار وانقشاع الضباب للابتعاد ..
      كنتُ أدعو لهم ..
      ولكن الضباب بدء ينقشع .. وينقشع ... رباااه لطفك ..
      فجأة انكشف أمرهم .. وهم ما يزالوا في منتصف الطريق ..
      تلاشى الضباب وكأنه لم يكن هناك ..

      رأيتهم بوضوح وهم يُسرعون بحركة مستميتة .
      هل عليّ أن أتصرف ؟؟؟.. ربـــــــاه .. شعرتُ بالعجز ..

      نظر قائدهم للبرج الذي وقف حارسه العتيد منبهراً بهم وبوصولهم لتلك الساحة .. وكأنه يتسائل من أين جاءوا وكيف وصلوا هُنا أمامه ؟؟
      وفي لحظة كانت دقات قلبي تتسارع كقرع الطُبول ، وضاق تنفسي وأنا أرى الحارس يراهم بوضوح ، وهم في ريبة من أمرهم .. ولكنهم يُسرعون رغم كل شئ .
      أيعقل أنني سأرى مذبحة أمامي الآن وأن الحارس لن يتردد في إبادتهم حسب الأوامر المعطاة له ..
      لطفك يارب ..
      لكن يا من تقرأون هذه السطور ستتعجبون لأمر الحارس الذي كان في البرج مزود بسلاح لقتل افراد المُقاومة حين يراهم لأنه بدلاً من ذلك أشار لهم بالإسراع نحو الهروب ، ووقف بصمت يُراقبهم كأنه يدعوا لهم ربُ السماء ..
      نعم .. لابد أن الحارس كان يعرف في قرارة نفسه أفكار أولئك الأبطال الذين ما كانوا يستحقون سوى التمجيد لا الإبادة والاضطهاد ..
      لابد أن عروقه تضخُ دماءً عربية أصيلة ..

      كان ما يزال نبضي يتسارع وأنفاسي تتخطف وأنا أرى القائد يحيّ الحارس تحية عسكرية ويردها الحارس وهو يرفع لهم القبعة تحية وتمجيداً لهم .. مشهدٌ لا يُنسى من ذاكرتي .

      ما أجمل الإنسانية والصدق .. وما أصدق تلك الأيام .... كان موقفاً يعجز اللسان عن وصفه ...

      بعد أن اختفوا عن ناظري بعيداً حيث الأمان .. عدتُ أدراجي محمّلة بمشاعر أكبر من أن أستوعبها كلها مرةً واحدة .
      وجدتُ خالي في البيت يسألني بشغف عما رأيت وصادفت .
      اطمئن يا خالي .. الله سيكون في عونهم ..

      أخذتُ قطيع الأغنام مع سعيد أخي .. وانصرفت ..
      تبعنا أولاد خالتي الصغار ...

      في الطريق كنتُ قد بدأتُ أشعر بالإرهاق .. ومراراً كانت مشاهد القص والأسلاك والهروب في الضباب تتزاحم أمام مخيلتي .. حركة الأغصان وهي تهتز عند مرورنا تحتها .. التحية العسكرية التي رفعها حارس البرج لقائد الثوار .. الضباب الذي انقشع فجأة .. وابتسامة القائد الشاب الذي كان يكبُرني بعدة أعوام بسيطة ..
      أيُ زمن كان ذلك ... وأية نفوس هي تلك ...
      لابد أن الثورة كانت أعمق من كونها ثورة عاديه ... إذ تهافت عليها الحيوان والطائر والإنسان .. نزفت على أثرها الجراح بلا توقف .. واشتعلت منها ولها فتيلة لا نهاية لها ...

      ثارت الرجال .. و نُظِّمت المجموعات .. وشُرِّعت القوانين ..
      عداله ... سماحه .. لا تفرقه .. نقد ذاتي .. حب للوطن .. بل هو العشق الوطني بعينه ذلك الهوس الذي أصابنا آنذاك ..

      كان من يحمل بندقية على ظهره هو الفدائي الذي ندعو له بقلوبنا ليل نهار ...

      مجرد أن يحمل تلك الكلشنكوف على كتفه فهو يحمل روحه على راحته من أجل وطنه و دماء آباؤنا ... نعم آباؤنا ... هل قرأتم ذلك جيداً .. فلقد كانت نظرة والدي الأخيرة ليست سوى وداع والتي فسرتها أنا على أنها وعد لي بالعودة ..لم تكُن سوى وداعٌ مؤلم ... ولكني أوهمتُ نفسي بأنه يعدني بالعودة ...
      لم تفي بوعدك لي يا أبي ؟ .. هل هناك من حال دون ذلك؟؟

      كنت قوي وشجاع .. كيف لرصاصة غدر أن تُرديك قتيلاً ...
      كيف استطاعت قلوبهم أن تُسدد السلاح عليك ؟؟؟
      هم لا يعرفون أنك أبي الحنون الذي لا تُعوضه كل مكاسب الدنيا .
      منذُ رحلت وأنا محمومة بعودتـــكـــ
      وكل الأدويــة لم تشفيني أو تُصبرني لحظةً واحدة ..
      فكل جوارحي كانت تتنفس غيابك وهناً على وهن ..
      وكلما أغمضت عيني رأيت عينيك تنظرُ إليّ وتعدني بالعودة ..
      طاردني طيفُكــ هذا ’’..,وأقلق كل مناماتي ،، وانتظرتُك طويلاً يا أبي ... يا سندي ودفئي ..
      بأي حق قتلوك أرجوك أخبرني ؟؟؟
      وكيف هي الحياة هكذا تباغتنا على حين غرة بلطماتها ؟ ...

      أسئلةٌ كثيرة ضجت في عقلي تلك الفترة ، و لم أكن أعرف الإجابات عليها ... كل ما أعرفه أنني أكملت التاسعة .. وأنني يوماً كنتُ أجري تحت طائرات الحكومة وهي تسقط على المنطقة منشورات كُتب عليها ( عودوا لحكومتكم .. نحن نعدكم بالأمان .. قابوس سيحكم عمان .. سنبني عمان جديدة .. ستعود المياه لمجاريها أيها الشعب المناضل ) ..

      كانوا الصبية يضحكون و يتسابقون خلف الطائرات وكأنها تسقط حلوى على رؤوسهم الصغيره الحليقة التي تعبت وأُنهكت من صوت القصف ورائحة الموت ..

      أمسكت أحدى الأوراق التي تتطاير في الأجواء حولي ... نظرت إليها ... تمنيتُ لو أنني أقرأ ..
      ثم مددت بها لأحدى الرفيقات التي تُجيد القراءة .. كنتُ أسمعها تقرأ صكوك الغفران .. والعودة والسلام .. وكأنها تسمعني قصيدة حزينة .
      يـــــاه كم جئتِ متأخرةً أيتها المنشورة ....

      لمن سأزف هذا الخبر .. ولمن سأعيشه ..

      عدت أدراجي لبيتنا لأجد النساء تتحدثن عن نفس المنشور مع أُمــــي ...
      يتحدثن بفرح عن السلام .. وتلاحم الشعب مع الحكومة ..

      ولكن من يداوي جراحي التي ماتزال تنزف في داخلي ؟؟

      نظرتُ إليهن وهن يستمعن جميعاً لإحدى الرفيقات تشرحُ لهن السطور بتفاؤل .
      لاحظتني أمي وأنا أقفُ ساهمة بينهنّ ..

      سألتني ما خطبك يافتاة ؟

      كنتُ كمن يعيش حلماً ...
      شعرتُ بأني تائهة ..
      لم أُجيب ..

      سكت الجميع ...

      و تحولت الأنظار إلي ...

      كانت عينيّ تغرورق بالدموع ..

      لا شعورياً خطفت الورقة التي تقرأها الرفيقة ، وكأني لا أُريدُها أن تُكمل ..
      خرجتُ ، وأسرعتُ على نفس الطريق الذي ساقوا أبي فيه قبل أعوام ...

      كنت أسمع أمي تناديني ... ولكن صوتها اختفى تدريجيا لابتعادي عنها ..

      جريت بلا توقف ... وأنا أهتف ... أيتها السماء هذه هي النهاية ...

      أبي ... بحق الله اقرأ هذا المنشور ..

      وأخبرني ماذا فعلوا بك ...

      كيف سمحت لهم أن يكتمون أنفاسك ..
      أبي ان الحياة بعدك مُرعبة ..
      أرجوك أُخبرني ماذا فعلوا بكـ ...
      كم تزدادُ حاجتي لك كل يوم ...

      كنتُ أجري بلا وعي .. وتتخبط قدماي بالصخور والأشواك ..

      ولا أجد أمامي سوى عينى والدي المودعه فأسرع لأصل إليها . .
      أراه الآن أمامي وهم يسوقونه ... وأُمعن في عينيه المُودعة ... الآن فهمت أنك ودعتني ..

      كان طيفه أمامي يحثني لأسرع ..

      أخبرني هل كان ذلك وداعا ... ؟؟ .. حسبتك تعدني بالعودة يوماً ...

      كُنت أجري وأُسرع ودموعي تمنعُني عن الرؤية ..

      أخيرا وصلت لنهاية قمة فتوقفت .. وجلست على ركبتي أبكي كما لم أبكي من قبل ..
      كنتُ أنتحب بقوة ..
      لم أفهم نظرات عينك وأملت أنك ستعود .. ولكني الآن عرفتُ أن من رحل لا يعود أيها البطل ..
      أيها الثائر ..
      لقد دفعت حياتك لنقرأ نحن هذا المنشور يوما ... ها هو المنشور وصل اليوم ...
      رحلت أنت للنعم نحن ...


      تحية قلبية لكل شهداءنا بلا استثناء ..

      لكل من دفع حياته ثمنا لكرامته وعزة بلده ..

      مازلنا نذكركم .. مازلنا نعيش مع ذكراكم ... أنتم الرجال الذين عرفوا الحياة على حقيقتها ..
      وهذه هــي قصة شعبُنا والثورة ..




      الكاتبه / قلم عــــــــــــــربي : 15/5/2011
      رابط الموضوع
      http://www.al-shahri.net/vb/showthread.php?t=10066
      تعليقات 1 تعليق
      1. الصورة الرمزية Joker
        Joker -
        طرح يعجز الاوصاف ما كتبته الاخت قلم عربي
        اجمل التحايا لكي
        و تشكر بو يعرب ع النقل
        ودي لك