• الشحري للكتابات الادبية وابداعات الاعضاء تغذية RSS

      بواسطة نشر في 11-23-2013 07:46 PM
      استعراض المقال

      قصّــــــة شعبنا والثورة .. للكاتبه / قلــــم عربـــــــــــي




      وإلى الآن أتعجب كيف أن والداي يستأمنان عليّ بأن أرعى الغنم وحدي مع أخي الصغير الذي بالكاد أكمل الخامسة من عمره ..
      مازلت أذكر جسمه النحيل العاري وهو يتبعني حاملا عصى صغيره ونحن نعبر وديان عميقة نبحث عن المرعى ..

      كان والدي قبل أن أمضي بالقطيع يأمُرُني بأن أتجنب القصف ..

      وألا أحاول أن أتحدى الطائرات ، و يحذرني من خطورة الرعي في السهول المكشوفة .
      أستطيع تذكّر أمي وهي تودعني لآخر لحظه .

      أُراقــــبُ يدها وهي تختفي تدريجياً خلف التلال تلوح لي مودعة إياي أنا وأخي الصغير .
      كنت في السابعة من عمري..

      أسماني والدي على أمه وكنت المفضلة لديه، والأقرب لقلبه ، وهذا أكثر ما كان يشد من أزري ويدفعني لأكون حريصة ومنتبهة لكل تصرفاتي...

      وما أن أعود من رعي الغنم قبل حلول الظلام حتى أجد والدي أسفل الوادي ينتظرني بالحليب ، مع الإبل التي يسوقها ..
      كان يقبل رأسي ويرحب بي باسمي الذي يحبه كثيراً والذي خصني به دون أخواتي .
      لم نكن نعرف لما تلك الحرب والقتال والتنظيمات ، لكنّا أيقنا من خلال ما نسمعه من الكبار أن النصر سيأتي حتى لو بعد أمد بعيد ، وأن الرجال والنساء اتحدوا على أن يقدموا الروح والجسد في سبيل تحرير البلاد من الفساد والظلم ..


      و في يوم ....عدتُ بالأغنام وكان قصفاً مدوياً على المنطقة كلها بشكل خطير ...
      وجدتني أُسرع بالغنم نحو المأوى وأحثُ أخي للإسراع بجانبي .. ولكنه ناداني باكياً : لقد تعبت .
      قمت بحمله على ظهري ..وأمسكت العصى بيدي وأنا أتوجه بالقطيع حيث نقطة تلاقينا أنا وأبي كل يوم .
      لكني عندما وصلت وجدتُ المكان وقد بدى عليه آثار القصف ..

      دماء النوق وأشلائها في كل الأرجاء ..

      شعرتُ بالدماء تتدفق بحرارة حتى أعلى رأسي .. لا يعقل أن يكون أبي أصابه مكروه .


      لم أعر جثث الإبل اهتمامي.. كانت بعضُها ما تزال تصارع الموت بحركات مستميتة وأنا أتخطاها بخوف باحثة عن أبي بينها .

      خِفتُ أن أجده مُصاباً ...
      وما كان الظلام ليرحم توسلاتي ويُمهِلُني قليلاً..

      اذ أظلم الكون ... وعمت رائحة الموت والبارود و خنقت الأرجاء حولي .

      لم أعد أدري أين أتوجه ..لابد أن أمراً ما حل بأهلي ..


      مسحت دموع أخي ..

      حمِلتُه مجددا على ظهري وتذكرت وأنا ابنة السابعة أن أبي كان قد أسماني على أمه التي يحبها ويتأمل مني أن أكون وقت الشدة على قدر هذا الاسم .

      كانت دموعي تخونني وأنا أتظاهر بالشجاعة حاملة أخي ماضيةً بالقطيع نحو بيتنا الذي يوجد في نهاية الوادي ..كنتُ أدعو الله أن يكون والدي بخير وحسب .


      حاولت أن أتحسس الطريق رغم الظلام الدامس و وصلتُ بعد جهد مضني وشاق وأنا ألهث .. لم يكن الجوع والإرهاق يمتلكُني بقدر القلق الذي أرهق كل حواسي ..كنتُ بحاجة أن أطمئنُ على أبي وكل عائلتي .


      وصلتُ للمكان .... رباهما أقسى البشر .. وجدت
      ...