• كتاب لغة عاد – قراءة نقدية

      كتاب لغة عاد – قراءة نقدية


      يحتل هذا الكتاب المرجعي ، مكانةً هامة في حقل دراسات العالم القديم ، لخصوصية مادته وغناها وتفردها . وهو حصيلة جهود استمرت اثنتا عشر عاماً . والكتاب يحفر في أرضٍ بكر ، مازالت بحاجة إلى مزيد من البحث والتحقيق ، وهو الثاني لمؤلفه الباحث الأستاذ علي بن أحمد الشحري بعد كتابه الأول : ظفار كتاباتها ونقوشها القديمة .

      وومضة مضيئة كهذه ، لا يضطلع بها فرد ، بل يجب أن تدعمها المؤسسات الثقافية والعلمية لما لديها الإمكانيات الكافية ، لذلك تتجه الأنظار بعد هذه التجربة الرائدة للأستاذ الشحري إلى جامعة السلطان قابوس ، وجامعة ظفار ، وإلى وزارة التراث القومي والثقافة ، نحو إنشاء قسم خاص لدراسة اللغات القديمة بظفار والحفاظ عليها وعلى تراثها الثقافي من الاندثار والضياع ، ودراسة الحضارات الغابرة التي سادت وبادت ، لكي لا نجعل تراث أرضنا نهباً لانقراص الرياح ، وأيضاً كي تدخل معترك الدراسات والبحوث التي تدرس تراث هذه المنطقة الخصبة من العالم القديم .

      وكان باحثون أكفاء نادوا بذلك منذ أمدٍ طويل ، أهمهم المرحوم الدكتور جواد علي في كتبه المرجعي المفصل تاريخ العرب قبل الإسلام ، وقد كتب قائلاً : وفي العربية الجنوبية قبائل تتكلم اليوم بلهجات يرجع نسبها إلى اللهجات العربية الجنوبية القديمة ، لأن في ألفاظها وفي تراكيب جملها ودراستها في هذا اليوم ، ضرورة لازمة لمن يريد الوقوف على تاريخ اللغة العربية قبل الإسلام . ويستطرد الدكتور جواد علي قائلاً : لنتعرف على أصول هذه القبائل والأماكن التي جاءت منها والأثر الذي تأثرت به من القبائل . وهذا التغير الذي أشير إليه هو شيء طبيعي وقع قبل الإسلام ، كما وقع في الإسلام ، فقد ماتت الأسماء الجاهلية في الإسلام وحلت محلها أسماء إسلامية ، وماتت ألفاظ جاهلية بسبب إماتة الإسلام لها ، أو إعراضه عن استعمالها أو بسبب تغير الذوق ، فلم تعد تصلح للاستعمال ، وولدت ألفاظ إسلامية لم تكن معروفة عند الجاهليين . فكلمة الجدشة مثلاً ، تعود إلى جشت العربية ، التي حكمت تلك البلاد ، وهي كلمة عربية جاءت من أجديش ، وتعني جمع الشيء بطريقة جشعة.
      إن ذلك يخرج عن نطاق شبه الجزيرة العربية ، إذ يمتد هذا المعنى في أعماق التاريخ إلى الهجرات العربية القديمة ، جنوباً إلى الحبشة ، ودولة أكسوم .
      يبحث المؤلف في تاريخ القبائل الأساسية بظفار أي الشحر والمهرة ويذهب استناداً إلى قراءات تاريخية لجواد علي والواسطي والهمداني ، وأبعد من ذلك إلى المصادر التوراتية والإنجيلية ، إلى أن هذه القبائل هي بقايا القبائل العربية القديمة التي تنسب إلى عاد الأول ، وأنها بقيت بعد تفكك المنطقة السامية القديمة وهي منطقة الأحقاف أو بلاد عاد . عرفت هذه القبائل لاحقاً بالمعيدندين ثم بالسبئيين والحُميريين ، وذلك ضمن الأقوام العربية ، التي كانت تندرج تحت هذه الأسماء . وفي التوارة دخلت ضمن قبائل أوفيرعوس وبارح وسبأ وغيرها . فهي إذن تنسب على ما يغلب الساحة التاريخية ، وذلك ضمن الإطار العربي السامي . أما حول المهرة والشحر فهم من سلالة واحدة هي سلالة مهر بن حيدان ، لذلك سميت المنطقة باسم أبيهم بلاد المهرة . كما عرفت ظفار ببلاد الشحرة نسبة إلى شحر بن قحطان مثلما يقول العوتبي الصحاري أو شحرايم مثلما ورد اسمه في التوارة .
      في فصل خاص بالكتاب ، يتعرض الكاتب لتقديم حصر مفصل حول القبور القديمة في ظفار ، نخص بالذكر منها الأهم وهي قبور الأنبياء ، المختلف جداً حو صحة إنتسابهم إلى تلك الأرض من عدمها . والباحث يميل هنا إلى توثيق إنتساب الأنبياء : هود بن عابر ، وعابر بن هود ، وصالح بن هود ، والنبي أيوب بظفار . فالقبور إذن قبورهم . ولكنه يشكك فقط في قبر النبي عمران ، حيث لا يوجد نبي بهذا الاسم في المصادر العربية والتوراتية ، وإذا كان المقصود هو عمران والد مريم العذراء ، فالأصح إذن أن يكون قبره في فلسطين وليس ظفار . وحيث أن القبر هو أطول قبر في العالم ، يبلغ حوالي ثلاثين متراً ، فالاعتقاد السائد في هذه الحالة ، وهذا ما يؤكده الباحث أنه قبر لعائلة واحدة ، قُبر أفرادها الواحد تلو الآخر ، ثم أصبح لهم هذا القبر الطويل .
      يعود الباحث لتأكيد وجهة نظره ، إلى قراءة تاريخ الأحقاف ، وهم سلالة قوم عاد ، التي كانت تعيش بجنوب الجزيرة العربية ، وما ذكر من أن النبي المبعوث إليهم قبره بالقرب من نبع ماء بقرية تدعى قوهوف والموقع يسمى حفوف ، وحتى الآن فالقرية تدعى بالعربية حفيف ، والموقع على ما هو عليه في المصادر التاريخية ، ويحوي على أربعة عيون هي : ضيوغوت ، عفيليه ، جيريه ، إشآم . ثم يميل إلى تأكيد صحة انتماء النبي صالح بن هود ، الذي بعث إلى الشحرة ، البقية الباقية من قوم عاد ، وكانت ثمة طقوس تكشف المزيد للباحثين ، ربما تكون قد اندثرت الآن ، المعروفة بإسم [ هيلي مكبور ] وهي أغان شحرية تقوم بها النساء حارسات القبر ينشدنها مهرولات إليه .

      ويقدم الباحث عرضاً عميقاً حول صحة قبر الني أيوب ، ويستعين في إثباتاته بصحة وجوده هناك اعتماداً على مصادر تاريخية مختلفة أهمها التوراة ، وقصص الأنبياء لابن كثير . ويعقد مقارنات لغوية بين الشحرية والعربية ، وهو في ذلك يسير في نفس الاتجاه المعتمد على الدراسات والمقارنات اللغوية للهجات واللغات القديمة في الجزيرة العربية ، لإثبات فرضيات تاريخية مختلفة ، أهمها الدراسات التي أثارت جدلاً واسعاً منذ صدورها وحتى الآن ، وهي دراسات الأستاذ كمال الصليبي خاصةً كتابه : اليهود جاؤوا من الجزيرة العربية .
      ولكن إذا كان افتراض ما سبق وتضمنه بحث الأستاذ الشحري ، والذي جاء وفقاً لمصادر تاريخية ودينية سبق ذكرها ، إلا أن بحوثاً أخرى غفل الباحث عن مناقشتها والحوار معها أو تفنيدها ، تقدم وجهات نظر مختلفة ، وتعتمد على مصادر تختلف ومصادر بحثه ، ونظراً لأهميتها كان لابد وأن نورد عرضاً سريعاً عنها .

      1- هجرة الأعراق السامية إلى الجزيرة العربية لا منها :

      في العقود الأخيرة تطورت دراسات التاريخ القديم ، كثيراً عما مضى من المسلمات ، التي أصبحت مراجعتها أمراً ضرورياً . أهمها نظرية الهجرات السامية من جزيرة العرب إلى خارجها ، خاصة مناطق الهلال الخصيب ، فما هو سائد أن اللغات السامية نشأت في الجزيرة العربية وهاجرت مع هجرة أعراقها من ثم إلى خارجها ، لكن الدراسات الحديثة التي يتبناها عدد من علماء الساميات مثل سابا تبنوموساكتي وبهرشي ودياكونوف والعربي السوري فراس السواح ، يظهرون شكاً في هذه الفرضية ، ويتم تبني أثر ذلك وجهة نظر معاكسة هي هجرة الأعراق السامية إلى الجزيرة العربية لا منها ، وذلك في أواخر عصر البرونز المبكر وأوائل العصر الوسيط أي حوالي 2000 عام قبل الميلاد ، أما سبب ذلك فيورد الأستاذ فراس السواح تفصيلاً حرياً بالدراسة ، إذ يرى بأنه خلال تلك الفترة وبعد ازدهار الحضارة الزراعية في سوريا منذ الألف الثامن قبل الميلاد ، أصاب المنطقة السورية جفاف حار وطويل أدى إلى أنهيار ثقافة البرونز المبكر ، وإلى اقتلاع للسكان وهجرات واسعة النطاق ، وتحول شرائح كبيرة من المزارعين المستقرين إلى الرعي المتنقل . ومن هذا المنظور تعد الهجرة السامية عكسية وباتجاه الجزيرة العربية لا منها . ( راجع فراس السواح : آرام دمشق وإسرائيل ، دار علاء الدين ، 1995م ) .

      2- الجذر الحامي لأجناس الجزيرة العربية :

      في دراسة ذات طابع أنثروبولوجي ، قدمها كل من : سير آرثر كيت وويلتون ماريون كروجمان ، وهي محاولة لتحديد سلالة الأجناس البشرية بجنوب الجزيرة العربية ، كتكملة لمشروع رائد قام به الكابتن برتراند توماس مؤلف كتاب البلاد السعيدة ، الذي أدرج سكان الجنوب ضمن الجنس الحامي بدلاً من الأجناس السامية . وهذه الفرضية تذهب إلى أن الجزيرة العربية كانت فيما مضى أرضاً خصبة تغري الأجناس الأخرى بالإغارة عليها . وبدراسة مقارنة للجماجم بين سكان شمال الجزيرة العربية وجنوبها ، وجد الاختلاف واضحاً وبيناً ، ففي الجنوب العربي يتميز السكان بالرؤوس العريضة في صحراء شاسعة ، أما في شماله فالرؤوس طولية وكبيرة . وكان الكابتن توماس أعد مجموعة من السجلات تتعلق بالمقاييس والصور ، تفسح جدلاً واسعاً حول موضوع الأجناس بجنوب الجزيرة العربية . أما احتمال وجود أصل مشترك لعرب الشمال وعرب الجنوب فهو أمرٌ يستبعده الباحث ، لذلك يذهب إلى اختلاف الأجناس الكلي بين سكان الجنوب والشمال . ( راجع ملحق البلاد السعيدة سير آرثركيت ، د.ويلتون ماريون كروجمان ، ترجمة محمد أمين عبدالله ، وزارة التراث والثقافة 1984م ) .

      3- حداثة عهد عاد وثمود :

      رائد هذا الطرح هو المؤلف الطبري ، الذي لم يجد لعاد وثمود ولهود وصالح ذكر في التوراة ، ما جعله يطرح أن هذه الحضارات إنما هي عربية ، وأن أهل الأخبار هم من ربط بينها والتوراة ، وأوجد لها صلةً ونسباً ، إذ في اعتقاده أن هذه الأقوام جاءت متأخرة وعاشت بعد الانتهاء من تدوين التوراة ، بل يذهب إلى أنها أقوام عاشت بعد ولادة المسيح عليه السلام ، وأن منها من عاش إلى عهد غير بعيد عن الإسلام ، ومن القرآن الكريم يفهم أن مساكن عاد بالأحقاف ” واذكر أخا عاد إذ نذر قومه بالأحقاف ” . والأحقاف : الرمل بين اليمن وعمان إلى حضرموت والشحر ، وديارهم : بالدو ، والدهناء ، ويدين ، ووبار إلى عمان وحضرموت .

      4- النبي هو كاسم لجماعة من اليهود :

      يتبنى هذا الاتجاه عدد من المستشرقين ، الذين اعتبروا أن هوداً تعني اليهود ، أي الدخول في اليهودية ( راجع المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي ) . وبعض النسّابين أضافوا أن هوداً اسم لجماعة من اليهود جاءت إلى بلاد العرب وأقامت في الأحقاف ، وحاولت تهويد الوثنيين ، وعرفوا بيهوذا ومنها جاءت كلمة هود .
      ويضيف الدكتور جواد علي: أن الرواة زعموا أن هوداً ارتحل هو ومن معه من المؤمنين بعد النكبة التي حلت بقومه من الكافرين من أرض عاد إلى الشحر حيث دفن فيها . وكتب الواقدي مؤكداً صحة قبره الحالي المعروف : [وقبر هود فإنه في حقف من الرمل ، تحت جبل من جبال اليمن ، عليه شجرة تندى ، وموضعه أشد الأرض حراً] !
      ومع ذلك ، ينبغي أن نشد بحرارة على يد هذا الباحث الجاد والمتميز ، الذي أتاح لنا أفقاً جديداً لقراءة جديدة في تاريخنا القديم .


      لتحميل الكتاب اضغط على الرابط بالاسفل ..

      http://arablib.com/harf?view=book&li...52NkUwa1B0alI4


      هنا الرابط الاصلي للموضوع
      http://www.al-shahri.net/vb/showthread.php?t=24








      تعليقات 2 تعليقات
      1. الصورة الرمزية Joker
        Joker -
        نشكر الاستاذ علي الشحري ع المجهود الكبير منه
        وتسلم بو يعرب ع الطرح

        ربي يحفظك
      1. الصورة الرمزية فرسان الوادي
        تعتبر شركة فرسان الوادى من الشركات التى لها باع طويل فى مجال الخدمات المنزلية وتشمل التنظيف ونقل العفش ومكافحة الحشرات وتسليك المجارى وعزل الخزانات والاسطح تم تنصيف الشركة انها الافضل فى المملكة العربية السعودية لما لديها من خبرة وموسوعة كبيرة فى مجال التنظيف بالمملكة كل ما عليك هو الانضمام الينا فى الشركة وطلب الخدمة وسوف نقوم برسال فريق مجهز على اعلى مستوى من الخبرة والكفائة فى انتاج العمل . شركة تنظيف بابهاشركة مكافحة حشرات بابهاشركة تنظيف خزانات بابهاشركة تنظيف مجالس بابها url=http://http://www.tourismhalong.com/شركة-عزل-اسطح-بابها -]شركةعزل اسطح بابها[/url]